يتنامى الحديث، الآن، في فرنسا، عن حرب نبه منها مجددا السبت الماضي، رئيس أركان الجيش الفرنسي فابيان ماندون، ولو أن مسؤولين من المُعارضة الفرنسية، لم يأخذوا التحذير محمل الجد.
قال المُعارضون إن القوات المُسلحة الفرنسية "مستعدة"، وأن الهدف كان "التحذير والاستعداد".
وكان ماندون رأى في كلمة خلال مُؤتمر لرؤساء بلديات فرنسا، الثُلاثاء الماضي، أن من الضروري أن تستعيد البلاد "قوتها المعنوية لتقبل (فكرة) أننا سنعاني من أجل حماية هويتنا" وأن تكون مُستعدة "لقبول فقدان أبنائها". وقال الجنرال ماندون في مقابلة السبت، على "قناة فرانس 5": "أتفهم قلق البعض"، ولكن "هدف هذه المداخلة" كان "التحذير والاستعداد".
أضاف: "الوضع يتدهور سريعا"، و"بدا لي من المُهم مُشاركة هذا التقييم مع رُؤساء البلديات". وأشار إلى أن "ردات الفعل تُظهر أن هذا أمر رُبما لم يكن مفهوما بما فيه الكفاية من شعبنا".
وذكّر بأن "تحليل الخطر الذي تُمثله روسيا أمر يشترك فيه جميع حلفائنا في أوروبا"، وقد "تم ترسيخه في وثيقة"، في إشارة إلى المراجعة الاستراتيجية الوطنية للعام 2025، وهي خارطة طريق للحكومات.
وبحسب هذه الوثيقة، على فرنسا "الاستعداد لاحتمال انخراط كبير وكثيف في جوار أوروبا في حلول 2027-2030، تزامُنا مع زيادة هائلة في الهجمات الهجينة على أراضيها".
وقال ماندون: "لدي ثقة كبيرة ببلدنا وجيوشنا… إنها مُستعدة وتعرف كيف تحمي فرنسا".
أضاف ردا على سؤال: ماذا يعني بقوله إن على فرنسا "قبول احتمال فقدان أبنائها"، أن القوات المسلحة الفرنسية تتألف من شباب "تراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما". وتابع: "نساء ورجال شجعان، أدركوا الوضع الذي كنا فيه، وأرادوا الانضمام، ويدركون أن هذا الالتزام ينطوي على مخاطر".
وقال في مجال آخر، إن "الكثير من الدُول الأوروبية المُجاورة، تُعيد العمل بالخدمة الوطنية"، معتبرا أن هذا أحد "العناصر التي يجب مراعاتها في بلدنا"، في وقت تستعد الحُكومة للإعلان عن تطبيق خدمة عسكرية تطوعية.
وعلى غرار الكثير من المسؤولين الأوروبيين، وبخاصة الألمان والدنماركيين، قال ماندون أيضا أمام البرلمان في تشرين الأول الماضي، إن على الجيش الفرنسي أن يكون مُستعدا "لصدمة خلال ثلاث أو أربع سنوات"، في مواجهة روسيا التي قد تسعى إلى "مُواصلة الحرب في قارتنا".
وفي المُقابل، انتقدت شخصيات سياسية كثيرة هذه التصريحات في شدة، مُتهمة المسؤول العسكري الرفيع المستوى باعتماد خطاب "يدعو إلى الحرب".
ثقة ماكرون
ورد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السبت، خلال مُؤتمر صحافي في قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا قائلا إن رئيس الأركان "يحظى بثقتي الكاملة"، معتبرا أن كلامه "حُوِّر" بهدف "نشر الخوف".
أضاف: "يجب أن تظل فرنسا أمة قوية، بجيش قوي، ولكن أيضا بقدرة على النُهوض الجماعي"، داعيا إلى "إدراك هذه المخاطر الجيو-سياسية والتكاتف".
وقالت الناطقة باسم الحُكومة الفرنسية مود بريجون، في مُحاولة لتهدئة الجدل: "لن يذهب أبناؤنا للقتال والموت في أوكرانيا".
خطة السلام
في المقلب الآخر، شدد البيت الأبيض، الأُسبوع الماضي، على أن "خطة السلام الأميركية" المدعومة من الرئيس دونالد ترامب، والتي هي قيد التفاوض مع روسيا وأوكرانيا "جيدة" للفريقين، رافضا المخاوف من أنها تلبي الكثير من مطالب موسكو.
وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، في إحاطة صحافية: "إنها مُستمرة ومُتغيّرة. ولكن الرئيس يدعم هذه الخطة. إنها خطة جيدة لروسيا وأوكرانيا على السواء، ونعتقد أنها ستكون مقبولة للفريقين".
وأوضحت ليفيت أن المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، "عملا في شكل سري مُنذ شهر" على هذا المشروع، "لفهم ما يُمكن أن يكون هذان البلدان مُستعدين (لتقديمه) من أجل التوصُل إلى سلام دائم".
زيلينسكي
عُلم أن "الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يعتزم أن يُناقش مع نظيره الأميركي "خلال الأيام المقبلة، الإمكانات الديبلوماسية المُتاحة وأبرز النقاط الضرورية من أجل السلام". وأعلن زيلينسكي أنه استقبل الخميس الماضي، في كييف، وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول.
وأكد في منشور عبر تطبيق "تلغرام"، أن "السلام ضروري، ونحن نُقدر جهود الرئيس ترامب وفريقه، لاستعادة الأمن في أوروبا".
الخطة الأميركية
تشمل الخطة الأميركية، في شكل خاص، الاعتراف بسيطرة روسيا على أراض في أوكرانيا، علما أن نسبتها تناهز عشرين في المئة من المساحة الإجمالية للبلاد. كما وتلحظ الخطة أيضا تقليص عديد الجيش الأوكراني إلى النصف، والتخلي عن الأسلحة البعيدة المدى.
ولكن حتى الساعة، فإن المدفع أصدق إنباء من خطط السلام، في وقت أعلنت روسيا السيطرة على مدينة كوبيانسك في شمال شرقي أوكرانيا، وهي واحدة من المدن التي شهدت تقدُما للقُوات الروسية في الأسابيع الأخيرة في مُواجهة القُوات الأوكرانية التي تُعاني كثيرا من الصعوبات على الجبهة.
ولكن رئاسة الإركان الأوكرانية نفت السيطرة الروسية على المدينة، مُؤكدة عبر "تلغرام" أنها ما زالت "تحت سيطرة قُوات الدفاع الأوكرانية".
وفي انتظار ما ستؤول إليه الجهود والخطط لتحقيق السلام، ما زالت عمليات تبادل جثامين الجنود وأسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا النتيجة الوحيدة للمفاوضات...
الشراكة الأوروبية
لم يترك المُقترح الأميركي للسلام، إنطباعا أوليا إيجابيا في بروكسل، الخميس الماضي، حيث شددت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، أن تحقيق السلام في أوكرانيا غير مُمكن إلا بمُشاركة الأوروبيين والأوكرانيين. وقالت ردا على سُؤال عن خطة السلام الأميركية: "لكي تنجح أي خطة، يجب إشراك الأوكرانيين والأوروبيين، وهذا واضح جدا".
واعتبر وزير الخارجية الفرنسية جان-نويل بارو، لدى وصوله لحضور الاجتماع، أن "السلام لا يمكن أن يعني الاستسلام". وشدّد على أن "الأوكرانيين سيرفضون دائما أي شكل من أشكال الاستسلام"، مؤكدا حرص الأوروبيين على مبدإ السلام "العادل" و"الدائم".
وأكد وزير الخارجية الألمانية يوهان فاديفول أن "كُل المُفاوضات المُتعلقة بوقف إطلاق النار، وكذلك أي تطور سلمي آخر في أوكرانيا، لا يمكن مُناقشتها والتفاوض عليها إلا مع أوكرانيا، ويجب إشراك أوروبا".
























































